أبي منصور الماتريدي
272
تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )
رأس المال . وفي الآية دليل وجه آخر : وهو أنه جعل حدوث الحرمة المانعة للقبض ، يرتفع به العقد في فساد العقد ؛ فعلى ذلك يجعل حدوث شئ في عقد معقود قبل القبض كالمعقود عليه في استئجار حصته من الثمن . وقوله تعالى : وَذَرُوا ما بَقِيَ مِنَ الرِّبا ، وقوله : وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُؤُسُ أَمْوالِكُمْ ، فيه دلالة : أن ما جرت بين أهل الإسلام وأهل الحرب من المداينات والمقارضات ثم أسلموا يرد ، وما أخذوا قهرا لا يردون ؛ وذلك أن الربا الذي قبضوا لئلا يرد لم يؤمر برده . فعلى ذلك ما أخذوا قهرا أخذوا لئلا يرد ، لم يجب رده . وأما رأس المال فإنما أخذوا للرد ؛ فعلى ذلك ما أخذ بعضهم من بعض دينا أو قرضا وجب رده . ففيه دليل لقول أصحابنا - رحمهم اللّه تعالى - على ما ذكرنا . واللّه أعلم . وقوله تعالى : فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُؤُسُ أَمْوالِكُمْ لا تَظْلِمُونَ وَلا تُظْلَمُونَ . عن ابن عباس « 1 » - رضى اللّه تعالى عنه - قال : فمن كان مقيما على الربا مستحلّا له لا ينزع عنه ، فحق على إمام المسلمين أن يستتيبه : فإن تاب ونزع عنه ، وإلا ضرب عنقه . وقوله تعالى : فَأْذَنُوا ، فيه لغتان : بالقطع ، والوصل . فمن قرأ بالقطع ، فهو على الأمر بالإعلام لمستحليه أنه يصير حربا له بالاستحلال . ومن قرأ بالوصل ، فهو على العلم ، كأنه قال للمؤمنين : إنه حرب لنا . وقوله تعالى : لا تَظْلِمُونَ وَلا تُظْلَمُونَ : عن ابن عباس - رضى اللّه تعالى عنه - قوله : وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُؤُسُ أَمْوالِكُمْ لا تَظْلِمُونَ وَلا تُظْلَمُونَ ، أي : لا تَظْلِمُونَ فتربون ، وَلا تُظْلَمُونَ : فتنقصون . وقتادة - رضى اللّه تعالى عنه - يقول : بطل الربا وبقيت رؤوس الأموال . وقوله تعالى : وَإِنْ كانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلى مَيْسَرَةٍ وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ : عن ابن عباس « 2 » - رضى اللّه تعالى عنه - : إِلى مَيْسَرَةٍ قال : هو المطلوب ، وهو في الربا . وفيه دلالة جواز التقلب في البيع الفاسد ؛ لأنه جعل لأرباب الأموال النظرة إلى ميسرة
--> ( 1 ) أخرجه ابن جرير ( 6272 ) . ( 2 ) أخرجه ابن جرير ( 6284 ) ، وابن أبي حاتم كما في الدر المنثور ( 1 / 650 ) .